محمد الغزالي
78
خلق المسلم
وفي الحديث : « لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا تماروا به السفهاء ، ولا تخيروا به المجالس ، فمن فعل ذلك فالنار النار » « 1 » . إن العلم - على اتساع فنونه الدنيوية والأخروية - لم يزدهر ويصل إلى المرحلة التي بلغها إلا بالتجرد الحق ، والتعالي عن الأغراض الصغيرة . وهذا لا يعني البتة أن يكلف العلماء والمتعلمون بتحمل مشاق العيش ، والتعرض للأزمات المحرجة ، فإن إخلاص النية لا يستلزم إعنات المخلص ، وتحميله الأذى . والعلل الناشئة عن فقدان الإخلاص كثيرة ، وهي إذا استفحلت استأصلت الإيمان ، وإذا قلّت تركت به ثلما شتى ، ينفذ منها الشيطان . وإنما يسخط اللّه عز وجل على ذوي الأغراض والمرائين وغيرهم من عبّاد المال والجاه ، لأن المفروض في المسلم ، أن يضحي بالأغراض ، والعلاقات والشهوات في سبيل اللّه ، لا أن يذهل عن وجه ربه في سبيلها . وقد كان سحرة فرعون آية في اليقين الصحيح ، والإخلاص العالي ، عندما رفضوا الإغراء ، وحقروا الإرهاب ، وداسوا حب المال والجاه ، وقالوا للملك الجبار : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى « 2 » . وشتان بين هؤلاء الذين يستهينون بالدنيا في سبيل اللّه ، وبين الذين يسخّرون الدين نفسه في التقرب من كبير ، أو الاستحواذ على عرض حقير . * * *
--> ( 1 ) ابن ماجة . ( 2 ) طه : 72 - 73 .